الشريف المرتضى
567
تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل )
وممّا يمكن أن يكون على ذلك شاهدا قوله تعالى : أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ « 1 » ، أي تتركون أنفسكم . ويمكن في الآية وجه آخر : على أن يحمل النسيان على السّهو وفقد المعلوم ؛ ويكون وجه الدعاء بذلك ما قد بيّناه فيما تقدّم من الأمالي ؛ من أنّه على سبيل الانقطاع إلى اللّه تعالى ، وإظهار الفقر إلى مسألته والاستعانة به ؛ وإن كان مأمونا منه المؤاخذة بمثله ؛ ويجرى مجرى قوله تعالى في تعليمنا وتأديبنا ؛ وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ « 2 » ، ومجرى قوله تعالى : قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ « 3 » ؛ وقوله : وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ « 4 » ؛ وقوله تعالى حاكيا عن الملائكة : فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ « 5 » . وهذا الوجه يمكن أيضا في قوله تعالى : أَوْ أَخْطَأْنا إذا كان الخطأ ما وقع سهوا أو عن غير عمد . فأمّا على ما يطابق الوجه الأوّل فقد يجوز أن يريد تعالى بالخطأ ما يفعل من المعاصي بالتأويل السّيىء وعن جهل بأنّها معاص ، لأنّ من قصد شيئا على اعتقاد أنّه بصفة ، فوقع ما هو بخلاف معتقده يقال : قد أخطأ ، فكأنّه أمرهم بأن يستغفروا ممّا تركوه متعمدين من غير سهو ولا تأويل ، وممّا أقدموا عليه مخطئين متأوّلين . ويمكن أيضا أن يريد ب « أخطأنا » هاهنا أذنبنا أو فعلنا قبيحا ؛ وإن كانوا له متعمّدين وبه عالمين ، لأنّ جميع معاصينا للّه تعالى قد توصف بأنّها خطأ من حيث فارقت الصواب ؛ وإن كان فاعلها متعمّدا ؛ فكأنّه تعالى أمرهم بأن يستغفروا ممّا تركوه من الواجبات ؛ وممّا فعلوه من المقبّحات ، ليشتمل الكلام على جهتي الذنوب ؛ واللّه أعلم بمراده « 6 » . [ أنظر أيضا إبراهيم : 41 من الرسائل ، 3 : 85 ] .
--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآية : 44 . ( 2 ) سورة البقرة ، الآية : 286 . ( 3 ) سورة الأنبياء ، الآية : 112 . ( 4 ) سورة الشعراء ، الآية : 87 . ( 5 ) سورة غافر ، الآية : 7 . ( 6 ) أمالي ، 2 : 114 .